ثمة من يركض إلى ما يحبّه وهو يرى أين يضع قدمه. لا يلتفت كثيراً، لكنه يرى. الشغف لا يطفئ عينيه، والاندفاع لا يبتلع توازنه. يجري، ويعرف أنه يجري. يهفو، بينما هو يُدرك وجهته النهائية.
هذي حالة نادرة، وهي ممكنة.
اللغة العربية تحتفظ في حروفها بأسرار صغيرة. الواو واحد منها. تخيّل البيت: «أهفو ولا يخفى عليّ صواب». الواو هنا ليست استدراكاً. ليست «أهفو لكن الصواب لا يخفى» هذا تراجع، اعتذار، خوف من سوء الفهم. وليست واو الترتيب: «أهفو ثم ينكشف لي الصواب» هذا ندم متأخر، صحوة بعد فوات. هي واو شيء آخر: التزامن. الفعلان يحدثان في الوقت نفسه، في النفس نفسها، في الإنسان الواحد. لا يلغي أحدهما الآخر، ولا يأتي بعده.
كأن في الإنسان غرفتين تعملان معاً: واحدة فيها نار، والأخرى فيها ضوء هادئ. النار لا تطفئ الضوء، والضوء لا يبرّد النار.
ما الذي يجعل هذا ممكناً؟ كيف يهفو الإنسان وفي داخله ميزان يعمل؟
الأمر يبدو أبسط مما يبدو. القلب الذي يلتهب بالشغف ليس كله ملتهباً. جزء منه يصمت ويراقب، يقيس المسافة بين ما يريده وما يستحق اهتمامه، بين ما يجذبه وما يليق به أن ينجذب إليه. هذا الجزء الصامت لا يوقف الاندفاع، ولا يحاول. مهمته أصغر من ذلك، وأهم: أن يبقى. أن لا يُختطف. أن لا ينسى وسط الضوضاء أن له صوتاً.
من فقد هذه الغرفة الصغيرة، فقد كل شيء وهو لا يدري. لأن الذي يفقدها لا يشعر بفقدانها؛ يظن أن الاندفاع نفسه وعي، وأن اللهفة بصيرة، وأن صدق الشعور دليل على صحة المسار. وهذا أخطر التلبيس: حين يقتنع المرء أن قوة الانفعال برهان.
ثمة فرق دقيق بين أن يأخذك الاندفاع وأن تأخذه أنت. الأول يبتلعك: تستيقظ في اليوم التالي ولا تعرف من كان يقود. الثاني يبقى لك: تقوده، تستمتع به، لكنك لا تذوب فيه. تعرف باب الخروج، وإن لم تستخدمه. والقدرة على ألا تستخدمه ـ مع معرفته ـ هي ذاتها صورة من صور الحرية.
ربما الفرق بين الاثنين هو الفرق بين أن تحب وأن تنفصل عن نفسك في الحب. الحب الأول يضيف إليك، والثاني يأخذ منك. الأول يجعلك ترى المحبوب أوضح ـ بحسناته وعيوبه ـ والثاني يضرب عينيك بضباب لا تنجو منه إلا بعد سنوات. والذي يهفو ولا يخفى عليه صواب يحب من النوع الأول. يرى من يحب. يرى الطريق. ولا يحجب عنه شغفه أي شيء.
كيف يحدث هذا؟ لا بدّ أن للتدريب يداً فيه. الذي عاش طويلاً مع نفسه يعرف صوتها. يميّز بين ما يأتيه من حاجة قديمة لم تُشبَع، وما يأتيه من رغبة حقيقية في اللحظة. يميّز بين الذي يهفو إليه لأنه يحبه، والذي يهفو إليه لأنه يهرب من شيء آخر. الشغف الصادق لا يخاف من السؤال، أما الاندفاع المخيف فيخاف أن يُسأل، لأنه يعرف أن جذره ليس فيما يجري إليه، بل فيما يجري منه.
ومن سأل نفسه ـ في أعلى نشوته: "لماذا أريد هذا؟" واستطاع أن يجيب بصدق، فهو في مأمن. لا من الهفوة، فالهفوة مستحقة وجميلة، بل من ضياعه فيها.
لا ينبغي للنص أن يُغلق بنصيحة. لكن في النص ما يدل على نفسه: أن من يبلغ هذه الحال لا يفخر بها. يعرف أنها هشّة. يعرف أن الذي يحفظ توازنه اليوم قد يفقده غداً، وأن الإنسان لا يضمن من نفسه شيئاً. لذلك لا يتعالى على الذين سقطوا، ولا يقول «أنا أقوى». يقول، إن قال شيئاً: لقد نجوت هذه المرّة. وقد لا أنجو في الأخرى.