منذ سنواتٍ عِدّة، انتبهتُ إلى ظاهرةٍ لم أستطع تفسيرها بسهولة: أنا أكتبُ بالعربيّة وأقرأ بالإنجليزيّة. لا لأنّ العربيّةَ تفتقر إلى ما يستحقّ القراءة، ولا لأنّ الإنجليزيّةَ لا تتّسع للكتابة. بل لأنّ شيئًا خفيًّا في داخلي قسّم عليّ الأدوار: لغةٌ للاستماع، ولغةٌ للكلام.

حين أقرأ كتابًا بالإنجليزيّة، أشعرُ أنّي ضيفٌ في بيتٍ أنيق. أتحرّكُ بلطف، لا ألمسُ ما لا أعرف، وأُصغي إلى ما يقوله المضيف بانتباهٍ مُضاعف. الإنجليزيّة، بالنسبة إليّ، لغةُ الأفكار الواردة من الخارج — الكتب التقنيّة، النظريّات، البحوث، الأفكار التي يجب أن أُترجِمَها في رأسي لأفهمها.

أمّا حين أكتب بالعربيّة، فأشعرُ أنّي في بيتي. أفتحُ النافذة، أُغلقُ النافذة، أكتبُ كما أتنفّس. العربيّة لغةُ التَمَلُّك. لغةٌ لا تحتاجُ أن أستأذنَها قبل أن أصوغ فيها فكرة، لأنّها لا تسألني من أين جئت.

الاستيراد والتمَلُّك

لا أعتقد أنّ هذا التقسيم تقسيمٌ فريد، ولا أنّه عيبٌ في شخصي. هو نتاجُ نظامٍ تعليميٍّ طويل: تعلّمتُ أن أُفكِّرَ بمصطلحاتٍ إنجليزيّةٍ منذ الجامعة، وأن أُعبّر عن ذاتي بالعربيّة منذ الطفولة. اللغتان لا تتنافسان عندي، بل تتكاملان بطريقةٍ غريبة.

اللغةُ التي نقرأُ بها تصنعُ خريطةَ عقولنا، واللغةُ التي نكتبُ بها تصنعُ صوتَنا.

— ملاحظةٌ قديمة من دفتري

غير أنّ هذا التقسيم ليس بريئًا تمامًا. يعني أنّني أستورد أفكارَ العالم من لغةٍ، وأُصَدِّرها لقارئٍ عربيٍّ في لغةٍ أخرى. يعني أنّ بيني وبين المحتوى الأصليّ ترجمةً ذهنيّةً أُجريها وأنا لا أدري. والترجمةُ الذهنيّة — مثلُ الترجمة المكتوبة — لا تخلو من خسارة.

ماذا يحدث في المنتصف؟

في المنتصف، بين القراءة والكتابة، تحدثُ أشياء دقيقة. أُفكِّرُ بـ concept وأكتبه مفهومًا. أقرأُ عن serendipity وأبحثُ في العربيّة عمّا يوازيها فلا أجدُ كلمةً واحدة، فأصوغُ تعبيرًا: «الصدفةُ الموفّقة». أمرُّ بفكرةٍ بالإنجليزيّة عن "deep work"، فأكتبُ مقالةً بالعربيّة عن «العملِ العميق».

كلّ كلمةٍ أكتبها هي قرارٌ صامت: هل أبقي على المصطلح الأصلي؟ هل أُعرِّبه؟ هل أبحث عن بديلٍ في تراثي اللغويّ؟ هذه القرارات، في مجموعها، تُشكّلُ أسلوبي.


هل أنا مترجمٌ لحياتي؟

يُقلقني أحيانًا أن أكون مترجمًا لحياتي بدلاً من أن أعيشَها. أن يكون كلّ ما أفكّرُ فيه قادمًا من خارج، وكلّ ما أكتبه مجرّد إعادة صياغة. هذا خوفٌ حقيقيّ. لكنّي أُعيدُ النظرَ فيه كلّما تذكّرتُ أنّ اللغةَ ذاتَها — أيّ لغة — ليست مِلكًا لأحد.

الأفكارُ تنتقلُ بين اللغات منذ قرون. ابنُ رشد قرأ أرسطو باليونانيّة فكتب عنه بالعربيّة، فقرأه الأوروبيّون باللاتينيّة فكتبوا عنه بالإنجليزيّة. ثمّ عُدنا نقرأُ ابنَ رشد مرّةً أخرى، بالإنجليزيّة هذه المرّة. دائرةٌ طويلةٌ لا تنتهي. لا أحدَ يبدأ من الصفر.

خلاصة

لا أزالُ أقرأُ بالإنجليزيّة، ولا أزالُ أكتبُ بالعربيّة. لكنّي لم أعدْ أرى ذلك تقصيرًا في لغةٍ أو تَرَفًا في أخرى. أراه، ببساطة، الطريقةَ التي يعمل بها عقلي.

أكتبُ بالعربيّة لأفهمَ ما قرأتُه بالإنجليزيّة. وأنشرُ بالعربيّة لأتذكّرَ أنّي قرأتُه.